محمد بن جرير الطبري
94
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
لو أُطعِموا المن والسلوى مكانَهمُ . . . ما أبصر الناس طُعما فيهمُ نجعا ( 1 ) وتظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال : 978 - " الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين " . ( 2 ) وقال بعضهم : " المن " ، شراب حلو كانوا يطبخونه فيشربونه . * * * وأما أمية بن أبي الصلت ، فإنه جعله في شعره عسلا فقال يصف أمرهم في التيه وما رزقوا فيه : فرأى الله أنهم بمَضِيعٍ . . . لا بذي مَزْرعٍ ولا معمورا ( 3 )
--> ( 1 ) ديوانه : 87 من قصيدة طويلة ، يذكر فيها ذا التاج هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة ، وكانت بنو تميم قد وثبت على مال وطرف كانت تساق إلى كسرى ، فأوقع بهم المكعبر الفارسي ، والي كسرى على البحرين ، وأدخلهم المشقر - وهو حصن بالبحرين - بخديعة خدعهم بها ، فقتل رجالهم واستبقى الغلمان . وكلم هوذة بن علي المكعبر يومئذ في مائة من أسرى بني تميم ، فوهبهم له يوم الفصح ، فأعتقهم ، فقال الأعشى ، يذكر ما كان من قبل هوذة في بني تميم : سائل تميما به أيام صفقتهم . . . لما أتوه أسارى كلهم ضرعا وسط المشقر في عيطاء مظلمة . . . لا يستطيعون فيها ثَمَّ ممتنعا لو أُطعموا المن . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فوصف بني تميم بالكفر لنعمته ( تاريخ الطبري 2 : 132 - 134 ) . والطعم : ما أكل من الطعام . ونجع الطعام في الإنسان : هنا أكله وتبينت تنميته ، واستمرأه وصلح عليه . ( 2 ) الحديث : 978 - هكذا رواه الطبري دون إسناد . وقد صدق في أنه تظاهرت به الأخبار . فقد رواه أحمد والشيخان والترمذي ، من حديث سعيد بن زيد . ورواه أيضًا أحمد والشيخان وابن ماجة ، من حديث أبي سعيد وجابر . ورواه أبو نعيم في الطب ، من حديث ابن عباس وعائشة . انظر مثلا ، المسند : 1625 ، 1626 . والجامع الصغير : 6463 . وزاد المعاد لابن القيم 3 : 383 . وتفسير ابن كثير 1 : 174 - 176 ، وقد ساق كثيرا من طرقه . ( 3 ) ديوانه : 34 - 35 . في الأصول والديوان . " ولا مثمورا " . مضيع : بموضع ضياع وهوان وهلاك . يقال : هو بدار مضيعة ( بفتح الميم وكسر الضاد ) ، كأنه فيها ضائع . وهو مفعلة ، وطرح التاء منها كما يقولون : المنزل والمنزلة . ومزرع : مصدر ميمي من " زرع " يعني ليس بذي زرع ، ومعمور : أي آهل ذهب خرابه . ونصب " ولا معمورا " ، عطفا على محل " بذي مزرع " ، وهو نصب . وآثرت هذه الكلمة ، لأنها هي التي تتفق مع سياقه الشعر ، ولأن التحريف في " معمور " و " مثمور " سهل ، ولما سترى في شرح البيت الثالث .